لم تعد دعوات إبطاء الذكاء الاصطناعي محصورة في مختبرات الأبحاث ومؤتمرات السلامة. النقاش بدأ يؤثر في الأسواق المالية، والسياسات العامة، واستراتيجيات الشركات التي تطور أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي.

دعا داريو أمودي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، إلى أن تتعامل مختبرات النماذج المتقدمة مع وتيرة التطوير بشكل أكثر تدرجا، بحيث تحصل آليات التقييم والرقابة والسلامة على وقت كاف للحاق بقدرات النماذج. الفكرة ليست إيقاف أبحاث الذكاء الاصطناعي، بل منع قدرات النماذج من التقدم باستمرار أسرع من قدرة المطورين والمجتمع على فهمها وضبطها.

اكتسبت الفكرة وزنا أكبر بعد أن عبّر قادة آخرون في القطاع عن قلق مشابه. كما ظهرت آثارها في الأسواق، حيث تعرضت أسهم عدد من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات للضغط مع إعادة المستثمرين تقييم الافتراضات التي تقوم عليها موجة الإنفاق الضخمة على الرقائق ومراكز البيانات والطاقة.

ماذا يعني إبطاء الذكاء الاصطناعي فعليا؟

قد توحي العبارة بوقف شامل للتطوير، لكن هذا ليس جوهر الطرح. في مقال داريو أمودي بعنوان We Must Pace the Frontier، الفكرة الأساسية هي ربط القفزات في قدرات النماذج بمستوى مماثل من التقدم في الاختبارات والرقابة والإجراءات الوقائية.

يقترح أمودي ثلاثة مستويات من العمل. الأول هو منح جهات تقييم مستقلة وصولا عميقا إلى ممارسات السلامة داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي. الثاني هو تنسيق معايير قابلة للتحقق بين الشركات الرائدة. والثالث هو العمل الدولي على القدرات ذات المخاطر الأعلى.

الموضوع إذن ليس اختيارا ثنائيا بين الاستمرار والتوقف. السؤال الأهم هو: عند أي مستوى من القدرات يصبح من الضروري إجراء اختبارات إضافية؟ من يراجع هذه الاختبارات؟ وكيف يمكن التأكد من أن المنافسين يعملون وفق قواعد متقاربة بدلا من أن تتحمل شركة واحدة تكلفة التباطؤ بينما تستمر بقية السوق بأقصى سرعة؟

لماذا أصبح النقاش أكثر إلحاحا الآن؟

طبيعة أنظمة الذكاء الاصطناعي تغيرت بسرعة. النماذج المتقدمة لم تعد تقتصر على كتابة النصوص أو إنشاء الصور. بعضها يستطيع كتابة الشيفرة، واستخدام أدوات خارجية، وتنفيذ سلسلة طويلة من المهام، والعمل بدرجة متزايدة من الاستقلالية.

هذا التحول يرفع تكلفة الخطأ. خطأ من مساعد محادثة قد يكون مزعجا، لكن خطأ من وكيل مستقل ينفذ مجموعة من الإجراءات داخل بيئة عمل حقيقية يمكن أن يكون أكثر أهمية بكثير.

يشير أمودي أيضا إلى دور الذكاء الاصطناعي في تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. عندما تساعد النماذج الباحثين في البرمجة وتحليل التجارب وتسريع عمليات التطوير، يمكن أن تصبح دورة بناء الجيل التالي من الأنظمة أقصر. إذا حدث ذلك بوتيرة متسارعة، فإن أدوات السلامة والتقييم تحتاج هي الأخرى إلى التطور بسرعة أكبر.

لماذا تفاعلت أسهم شركات التكنولوجيا؟

يعتمد جزء كبير من تقييمات قطاع الذكاء الاصطناعي على فرضية استمرار التقدم السريع في قدرات النماذج. هذه الفرضية تدعم بدورها استثمارات بمليارات الدولارات في وحدات معالجة الرسومات، ومراكز البيانات، والبنية الكهربائية، والخدمات السحابية.

إذا أصبحت دورات تطوير النماذج أبطأ أو خضعت لاختبارات إضافية قبل الإطلاق، فقد يعيد المستثمرون تقييم سرعة نمو الطلب على أحدث الشرائح، وتوقيت مشاريع مراكز البيانات، والمدة اللازمة حتى تحقق المنتجات الجديدة إيرادات تبرر حجم الإنفاق الرأسمالي الحالي.

لا يعني ذلك أن التباطؤ سيضر بالقطاع بالضرورة. قواعد أوضح ومعايير سلامة أقوى قد تجعل اعتماد الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة على المدى الطويل. لكن لأن كثيرا من أسعار الأسهم تفترض سنوات من النمو المرتفع، فإن أي تغيير في توقعات السرعة يمكن أن ينعكس مباشرة على السوق.

المشكلة الكبرى: لا أحد يريد أن يبطئ وحده

أصعب جانب في هذا النقاش ليس تقنيا بل اقتصاديا واستراتيجيا. شركة تؤجل نموذجها الجديد بينما يستمر منافسها في التوسع قد تخسر مستخدمين ومواهب واستثمارات ونفوذا. المنطق نفسه ينطبق على الدول.

لهذا تعتمد مقترحات إبطاء وتيرة التطوير على التنسيق والتحقق. قواعد تطبقها شركة واحدة فقط ستكون هشة. أما المعايير المشتركة والتدقيق والشفافية فيمكن أن تقلل الحافز إلى تجاهل إجراءات السلامة، لكنها في المقابل أصعب سياسيا وتنظيميا.

هناك كذلك خطر آخر: إذا كانت المتطلبات الجديدة مكلفة جدا، فقد تمنح الشركات العملاقة ميزة إضافية لأنها الوحيدة القادرة على تحمل تكاليف الامتثال. لذلك يجب أن تفرق السياسات بين متطلبات السلامة الضرورية والقواعد التي قد تتحول عمليا إلى حاجز أمام المنافسين الأصغر.

ماذا يعني ذلك للمغرب؟

المغرب ليس حاليا مركزا لتدريب نماذج حدودية بحجم الولايات المتحدة أو الصين، ولذلك سيكون التأثير المباشر محدودا. لكن الشركات الناشئة والمطورين والمؤسسات المغربية يعتمدون على نماذج وخدمات سحابية مبنية في الخارج، ما يجعلهم يتأثرون بسرعة بأي تغيير في وتيرة الإطلاق أو شروط الوصول أو الأسعار.

بالنسبة للشركات الناشئة المغربية، استقرار سوق النماذج لفترات أطول قد لا يكون أمرا سلبيا. يمكن أن يمنح قيمة أكبر للمنتجات التي تعتمد على بيانات خاصة، وتكاملات حقيقية مع أنظمة الشركات، وخبرة قطاعية، وعلاقات مع العملاء، بدلا من المنتجات التي تقوم ميزتها بالكامل على الوصول إلى أحدث نموذج.

كما أن النقاش يطرح أسئلة مهمة حول المشتريات والحوكمة داخل المؤسسات المغربية: ما البيانات التي يمكن إرسالها إلى مزود خارجي؟ كيف يمكن مراجعة قرار آلي؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ النظام؟ هذه الأسئلة ستصبح أكثر أهمية كلما دخل الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات حساسة.

ما الذي يجب مراقبته لاحقا؟

الاختبار الأول هو ما إذا كانت الالتزامات الطوعية ستتحول إلى إجراءات قابلة للتحقق. إذا حصل المقيمون المستقلون على وصول فعلي وحرية كافية لإصدار تقييمات موثوقة، فقد تصبح هذه الممارسة نموذجا لقطاع الذكاء الاصطناعي.

الاختبار الثاني هو التنسيق بين المنافسين. إبطاء شركة واحدة فقط لن يستمر طويلا على الأرجح. أي إطار مستقر سيحتاج إلى مزيج من المعايير الطوعية والتنظيم الوطني والتفاوض الدولي.

المهم هنا أن قطاع الذكاء الاصطناعي لم يقرر التوقف. ما تغير هو أن بعض قادة الشركات التي تطور أكثر الأنظمة تقدما بدأوا يطعنون علنا في فكرة أن السرعة القصوى يجب أن تظل الهدف الافتراضي. وعندما يبدأ هذا النقاش بالتأثير في الأسواق، يصبح موضوعا اقتصاديا بقدر ما هو موضوع تقني.

المصادر